السيد محمد بيرم الخامس التونسي

72

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

رتبته بالنسبة لأقرانه هي العدد الثاني والخمسون . وهكذا يتقهقر العدد في مدافعهم إلى آخرهم وهم نواب دجانة ، إذ لم يطلق له سوى ستة مدافع . فكانت كثرة الإطلاق باعتبار كبر دولتهم وكثرة إيرادهم واتساع دائرتهم بالحرية والتصرف المطلق ، وأكثر ملوك الهند من الوثنيين . أما المسلمون فلهم خمسة عشر ملكا . ثم إن الإنكليز استفادوا من هذا الدربار ثلاث فوائد . إحداها : أنهم جعلوا أهل الهند وملوكها رعية لهم برضاهم واختيارهم لا بالسيف وطريق التغلب كما مر في الأزمان السابقة . الفائدة الثانية : أنهم جمعوهم ليختبروا حالهم من جهة المال والقوة العسكرية وهل عندهم أسلحة جديدة يخشى بأسها أو لا ، فوجدوهم على الحالة الهمجية القديمة في الأسلحة وآلات الحرب حتى أن بعضهم كان لعساكرهم البنادق والفتيلى أي المشادلي ، وبعضهم يحمل القوس والنشاب والرمح ، وبعضهم يلبسون الدروع والخود على العادة الجاهلية ، فاطلعوا على قوتهم وعرفوا أنهم ما داموا يجهلون الأسلحة الأوروباوية فلا يمكن للخناس الذي وسوس للصرب أن يوسوس لهم . الفائدة الثالثة : أن تجار الإنكليز ربحوا من هذا الدربار عشرة ملايين ليرة لما حصل عنه من رواج التجارة ونفاق السلع حتى فاق على معرض باريس في زمن نابليون ، حيث جلب إليه من كل غريبة ونادرة وعجيبة ، فإن عدد تذاكر سكة الحديد التي بيعت إلى السفر إلى دهلي بلغت نحو مليوني تذاكرة ، وبعض الوفود رحل من محل بعيد عن دهلي مثل أهل كلكوته وأهل مدراس وأهل السند وأهل بمباي وأهل بشاود ، وكان بعضهم يركب في الدرجة الأولى وبعضهم في الثانية وبعضهم في الثالثة ، فالدرجة الأولى أجرتها نحو عشرين جنيها ، والدرجة الثانية أجرتها نحو عشرة جنيهات ، والدرجة الثالثة نحو ثلاثة . فإذا ضربت القليل في الكثير والقريب في البعيد كان المدفوع من مليوني نفس ثمانية ملايين ليرة ، وجميع ملوك الهند حضروا ذلك الدربار امتثالا لأوامر الحكمدار ما عدا ملكة تنجاور فإنها اعتذرت بأنها في حالة الولادة ، ونواب وأمير وغالب علي خان فإنه تعلل بأنه مريض بداء البرص وأنه لا يمكنه الحضور في مجمع الملوك لئلا تنفر طباعهم منه انتهى . ثم زار تلك الممالك ولي عهد ملكة إنكلترا واحتفلوا به وهادوه بهدايا نفيسة ملوكية يأتي الكلام عليها في الكلام على معرض باريس من المقصد . ثم إن استيلاء الإنكليز كما تقدم كان شيئا فشيئا ، فبعض الملوك والأمراء سلموا إليه السيادة وأبقاهم على ولايتهم عند قصده لهم بالحرب ، وأبقى لهم ما يملكون من المال والمجوهرات في خاصة ذاتهم وبعض التصرفات ، والتصرف الحقيقي بيد الإنكليز سواء كان في الإدارة المالية أو السياسية ، وأما العسكرية فلكل عساكر تحت أمره ، وكثيرا ما تأتي العساكر الإنكليزية لإرهاب الولاة والملوك وإخضاعهم ، فالتصرف حقيقة للإنكليز لكن للملوك الأبهة والاسم بحيث أن التصرفات تنسب إليهم بالاسم ، كما أن بعضا من الملوك